مدونة عبدالكريم القلالي (الفارس الذهبي)
مدونة ورثة الأنبياء،سُموٌّ و عُلوٌ ، شُموخٌ و رُسوخٌ ، كمالٌ و جمالٌ ...عشاق المجد والعلا.

العلمانية واستنبات بذرتها

العلمانية واستنبات بذرتها

د.عثمان عبد الرحيم**


اشتهرت العلمانية في الكتب الإسلامية، وذاع صيتها بين السواد الأعظم من الباحثين والمثقفين بأنها تعني فصل الدين عن الدولة، وأنها دعوة إلى تنحية الدين عن ممارسة دوره في جانب الحكم وسياسة الناس، غير أنه بعد مرور حقبة من الزمن على اشتهار العلمانية بهذه الفلسفة لوحظ -بعد البحث والتدقيق- أن هذا المفهوم لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي لا يقتصر فقط على حالة فصل الدين عن الدولة، وإنما يتسع ليشمل الحياة كلها، ويدعو إلى فصل الدين عن ممارسة دوره في بقية مجالات الحياة وليست السياسة فحسب.

ويكفي للوقوف على المحصلة السابقة إلقاء نظرة متأملة على تعريف العلمانية في مصادرها الأساسية المعتبرة في مجال البحث العلمي ليتضح ذلك بكل جلاء.

جاء في دائرة المعارف البريطانية أن العلمانية "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها".

كما جاء في المعجم الدولي الثالث تعريف العلمانية بأنها "نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين".

استنبات مدلس

وهكذا فإن العلمانية عند أهلها حركة اجتماعية شاملة تقيم الحياة على غير الدين ولا تختص بالسياسة، إذن فلو قيل: "إن العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة"، أو "إقامة الحياة على غير الدين"؛ لكان أصوب قيلا وأدق تعريفا وأكثر تحديدا.

وعملية التدليس هذه كانت إحدى وسائل قوى التغريب لمحاولة (استنبات) وتوطين العلمانية التي وفدت للمسلمين كنتيجة للصدام الذي وقع بين الكنيسة والعلماء؛ فالعلمانية منذ وفودها على المسلمين وهي تعاني من أزمة حصار وغربة واستهجان لمبادئها، وانعدام لشرعيتها في أوساط المجتمع العربي والإسلامي الذي لفظها ونهرها ورفض أي صورة من صور التعايش معها؛ بل كان لها جسما طاردا.

هذا الحصار دفعها إلى أن تحاول اختراقه والتسلل إلى مواضع التأثير الفكري والتاريخي من خلال (محاولات) استهدفت القيام بعملية استنبات واستزراع وأحيانا تهجين لبعض مبادئها وكانت محاولة التدليس التي تحدثنا عنها إحدى هذه المحاولات؛ لأن القول بفصل الدين عن الدولة -مع خطورته- لا شك أنه أقل جسارة وأخف وطأة من القول بفصل الدين عن الحياة من كل جوانبها.

ومن هذه المحاولات أيضا القيام بعملية مغالطة كبيرة في نقل ترجمة خاطئة للفظة "العلمانية" من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، ومحاولة نسبتها إلى العلم مراعاة لشعور المسلمين، وإخفاء لمضمونها، وخداعا لهم بعمق الصلة بين العلم والعلمانية، وغض الطرف عن الترجمة الصحيحة للعلمانية التي تعني "اللادينية" أو "الدنيوية"، وهذا ما بيّنه الأستاذ أنور الجندي حينما قال: "العلمانية كلمة ذات أكثر من مدلول، وذات تاريخ طويل، وقد انتقلت مع الزمن من معنى إلى آخر، وقد حاول مترجموها عن اللغات الغربية إخفاء حقيقتها حتى لا تصدم الحس العربي، وتبقى في نطاق العلم، وهو نطاق يرد عنها عامية الاتهام، ويبقي هدفها الحقيقي مختفيا وراء اللفظ المشتق من أقرب الأسماء إلى نفوس العرب والمسلمين".

"الإسلام وأصول الحكم" لمرجليوث!

ومن أشد المحاولات ضراوة وأكثرها خبثا لإصباغ نوع من الأصالة الإسلامية على العلمانية اتخاذ كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق تكأة أو مدخلا لضرب مفهوم الإسلام الصحيح، والتشويش بأن مبادئ العلمانية نابعة من العمق الشرعي والتاريخي المتمثل في شخصية القاضي الشرعي والعالم الأزهري الشيخ علي عبد الرازق.

وكان الشيخ محمد بخيت وهو عالم من علماء الأزهر المشهورين أول من كشف زيف هذه المؤامرة، وأثبت بالدلائل أن الكتاب ليس للشيخ علي عبد الرازق وأن مستشرقا يهوديا هو الذي ألَّف الكتاب ثم أعطى للشيخ وطلب منه أن يضع عليه اسمه وأن يضيف إليه بعض الآيات القرآنية وأبياتا من الشعر العربي.

وقد أكد هذا الكلام د.ضياء الدين الريس في كتابه (الإسلام في العصر الحديث)، وذكر أن الكتاب للمستشرق مرجليوث الذي نجح في إقناع الشيخ "علي" بأن تبنيه للكتاب سيجعله رائدا لتيار تنويري جديد وعلى رأس مدرسة فكرية حديثة.

وقد ذكر الأستاذ أنور الجندي بعض الدلائل التي ربما تقطع بأن الكتاب منحول، وليس من تأليف من نُسب إليه، ومن أظهر هذه الدلائل:

أولا: أن المؤلف يتحدث عن المسلمين بضمير الغائب فيقول: "يدعون"، "يزعمون"، "يقولون"، "يستدلون"، وهذا أسلوب لا يجرؤ على الحديث به في وقتنا هذا أشد العلمانيين تطرفا وأحدُّهم لهجة؛ فكيف إذا كان المؤلف عالما من منتسبي أعرق مؤسسة علمية للمسلمين، وهو أول من يطرق قضية لها حساسيتها التي تجعله معرضا لاتهامه بالكفر والمروق؟.

ثانيا: الملاحظ على أسلوب الكتاب أنه أسلوب مناورات ومراوغات، ويتصف بالالتواء واللف والدوران، وهو ليس أسلوب القضاة المتصف بالوضوح والتحرير الدقيق للمسائل والقضايا.

ثالثا: يتحدث الكتاب عن بعض القضايا بجرأة وصلت أحيانا إلى حد الوقاحة والتهجم كحديثه عن سيدنا أبي بكر وبعض الصحابة.

رابعا: من المعلوم أن العقلية الفكرية المؤرخة عقلية متدفقة في إنتاجها غزيرة في طرحها ذات قلم سيال وكتابات وفيرة وفكر منهمر، وهذا لم نلحظه في مسيرة صاحب الكتاب؛ فالشيخ علي لم يُعرف عنه أنه كان كاتبا متمرسا في الكتابة والتأليف، ولم تُعرف له كتابات أو مقالات قبل كتابه هذا؛ بل كان كل ما كتبه كتابا في اللغة، وبعد ظهور كتاب "الإسلام وأصول الحكم" ظل أربعين عاما لم يظهر له كتاب آخر في نفس موضوعه أو مثله.

وهذا التفصيل لا يقدم أو يؤخر شيئا في الحكم على شخصية الشيخ علي عبد الرازق؛ فسواء أكان الكتاب له أم ألّفه غيره ودفع إليه لينسبه إلى نفسه فالنتيجة واحدة؛ وهي أنه أقر بما في الكتاب ولم ينف ما ورد فيه لا في مجالسه الخاصة ولا العامة بل لم يكلف نفسه مئونة الرد أو حتى تأويل ما ورد في كتابه أو محاولة التبرؤ منه.

استنبات عربي!

ولكن الفائدة من طرح هذا الرأي تكمن في إدراك إلى أي مدى وصل الإصرار على استزراع العلمانية ومحاولة تعريبها لإزالة أكبر عقبة واجهتها في محاولتها القضاء على الإسلام أو تقويض دوره وهي غربتها.

والغريب أن بعض المثقفين العرب ساهم بصورة أو بأخرى في عملية الاستنبات هذه –بغير عمد ولا قصد- من خلال محاولتهم التأريخ لما يعرف بـ"الوطنية الإسلامية"، حينما تحدث بعضهم عن آثار سقوط الخلافة، وذكر منها أن "تيار الوطنية الإسلامية الذي كان الحزب الوطني يمثله على عهدي مصطفى كامل ومحمد فريد لم يعد يجد جماعة أو كيانا جماعيا أشمل يدعو لربط حركته المصرية، فانفلتت الحركة الوطنية المصرية من العقال الإسلامي الجامع، وكانت مصر خارجة من أوضاع الحرب وسيطرة القبضة البريطانية عليها، وكل الظروف رجحت انطباع الحركة الوطنية بالطابع الإقليمي، ومالت بها للصبغة العلمانية وهنا ظهر العلماني الوطني لأول مرة"!!.

وبغض النظر عن الرد على هذا الطرح الخطير يبقى أن هذا الكلام فيه مجافاة للحقيقة بل وللمسلمة التاريخية التي تقرر أن العلمانية كفكر يدعو إلى فصل الدين عن الدولة هو فكر وافد من أوربا، وأنه لم يكن يوما شرقي المولد أو النشأة.

وأما إذا كان يقصد بالعلماني الوطني وهو الذي لم يجعل الدين توجهه العام في نهجه الإصلاحي فهو لضعف الحركة الإسلامية السياسية آنذاك وهو شيء معلوم، كما أنه لا يرقى لأن يكون سببا قويا أو دليلا علميا على التأريخ لنشأة علمانية وطنية تتباكى على الوطن وتحترق من أجله وإلا فالجزائر وتركيا خير شاهد على أن العلماني لم يكن يوما وطنيا؛ فلقد فضل هؤلاء دخول أوطانهم في دائرة العنف، ونفق الإرهاب المظلم على أن يتمكن الإسلاميون من الحكم بآلية علمانية وهي "الديمقراطية"؛ فأين العلماني الوطني؟ القدر الملزم الذي يجب أن نحذره في هذا المقام هو مساعدة العلمانية في إيجاد مسوغ لوجودها أو انتشارها في أوطاننا.. فهل ينتبه مفكرونا لخطورة مساعدة هؤلاء في استنبات بذرتهم الخبيثة؟!.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية